سيد محمد طنطاوي
138
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أولهم : بينه اللَّه بقوله * ( لَلَّذِينَ اتَّبَعُوه ) * أي الذين أجابوا دعوته في حياته واتبعوا دينه وشريعته بعد مماته . وقد أكد اللَّه - تعالى - حكمه هذا بحرف * ( إِنَّ ) * وبأفعل التفضيل * ( أَوْلَى ) * وباللام في قوله * ( لَلَّذِينَ اتَّبَعُوه ) * ليرد على أقاويل أهل الكتاب ومفترياتهم حيث زعموا أنه كان يهوديا أو نصرانيا . وثاني هذه الأصناف : بينه - سبحانه - بقوله * ( وهذَا النَّبِيُّ ) * والمراد به محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الداعي إلى التوحيد الذي دعا إليه إبراهيم . والجملة الكريمة من عطف الخاص على العام للاهتمام به . وللإشعار بأنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قد تلقى الهداية من السماء كما تلقاها إبراهيم - عليه السّلام - وثالث هذه الأصناف : بينه اللَّه - تعالى - بقوله * ( والَّذِينَ آمَنُوا ) * أي : والذين آمنوا بمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم واتبعوه . وفي هذا تنويه بشأن الأمة الإسلامية ، وتقرير بأن أتباع محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أحق بالانتساب إلى إبراهيم من أهل الكتاب لأن المؤمنين طلبوا الحق وآمنوا به ، أما أهل الكتاب فقد باعوا دينهم بدنياهم ، وتركوا الحق جريا وراء شهواتهم . وقوله * ( واللَّه وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) * تذييل مقصود به تبشير المؤمنين بأن اللَّه - تعالى - هو ناصرهم ومتولى أمورهم . قال ابن كثير عند تفسيره لهذا الآية : يقول اللَّه - تعالى - إن أحق الناس بمتابعة إبراهيم الخليل الذين اتبعوه على دينه ، وهذا النبي يعنى محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بعدهم . فعن ابن مسعود أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال « إن لكل نبي ولاية من النبيين ، وإن وليي منهم أبى خليل ربي عز وجل إبراهيم عليه السّلام . ثم قرأ : * ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوه ) * الآية « 1 » . ثم حكى - سبحانه - أن بعض أهل الكتاب لا يكتفون بما هم فيه من ضلال ، بل يحاولون أن يضلوا غيرهم فقال - تعالى - * ( وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ) * . وقوله - تعالى - * ( وَدَّتْ ) * من الود وهو محبة الشيء وتمنى حصوله ووقوعه . أي تمنت وأحبت جماعة من أهل الكتاب إضلالكم وإهلاككم عن الحق - أيها المؤمنون - وذلك بأن ترجعوا عن دين الإسلام الذي هداكم اللَّه إليه ، إلى دين الكفر الذي يعتنقه أولئك الكافرون من أهل الكتاب .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 373 .